السيد هاشم البحراني

248

البرهان في تفسير القرآن

تريد أن تكون من المصلحين . وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ، قال : يا موسى ، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ، فأخرج إني لك من الناصحين . فخرج منها خائفا يترقب ، فخرج من مصر بغير ظهر ولا دابة ولا خادم ، تخفضه أرض وترفعه أخرى ، حتى انتهى إلى أرض مدين ، فانتهى إلى أصل شجرة فنزل ، فإذا تحتها بئر ، وإذا عندها أمة من الناس يسقون ، وإذا جاريتان ضعيفتان ، وإذا معهما غنيمة لهما ، قال : ما خطبكما ؟ قالتا : أبونا شيخ كبير ، ونحن جاريتان ضعيفتان لا نقدر أن نزاحم الرجال ، فإذا سقى الناس سقينا . فرحمهما موسى ( عليه السلام ) ، فأخذ دلوهما ، وقال لهما : قدما غنمكما . فسقى لهما ، ثم رجعتا بكرة قبل الناس ، ثم أقبل موسى إلى الشجرة ، فجلس تحتها ، وقال : رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) * « 1 » فروي أنه قال ذلك وهو محتاج إلى شق تمرة . فلما رجعتا إلى أبيهما ، قال : ما أعجلكما في هذه الساعة ؟ قالتا : وجدنا رجلا صالحا ، رحيما ، سقى « 2 » لنا . فقال لإحداهما : اذهبي فادعيه إلي . فجاءته تمشي على استحياء ، قالت : إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا - فروي أن موسى ( عليه السلام ) قال لها : وجهيني إلى الطريق ، وامشي خلفي ، فإنا بنو يعقوب لا ننظر في أعجاز النساء - فلما جاءه ، وقص عليه القصص ، قال : لا تخف ، نجوت من القوم الظالمين . قالت : إحداهما : يا أبت ، استأجره ، إن خير من استأجرت القوي الأمين . قال : إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ، على أن تأجرني ثماني حجج « 3 » ، فإن أتممت عشرا فمن عندك . فروي أنه قضى أتمهما ، لأن الأنبياء ( عليهم السلام ) لا يأخذون إلا بالفضل والتمام . فلما قضى موسى الأجل ، وسار بأهله نحو بيت المقدس ، أخطأ عن الطريق ليلا ، فرأى نارا ، قال لأهله : امكثوا ، إني آنست نارا ، لعلي آتيكم منها بقبس ، أو بخبر عن الطريق . فلما انتهى إلى النار ، إذا شجرة تضطرم من أسفلها إلى أعلاها ، فلما دنا منها تأخرت عنه ، فرجع ، وأوجس في نفسه خيفة ، ثم دنت منه الشجرة ، فنودي من شاطئ الواد الأيمن ، في البقعة المباركة من الشجرة : أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ وأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً ولَمْ يُعَقِّبْ ) * « 4 » ، فإذا حية مثل الجذع ، لأنيابها صرير ، يخرج منها مثل لهب النار ، فولى مدبرا ، فقال له ربه عز وجل : ارجع . فرجع وهو يرتعد ، وركبتاه تصطكان ، فقال : إلهي ، هذا الكلام الذي أسمع كلامك ؟ قال : نعم ، فلا تخف . فوقع عليه الأمان ، فوضع رجله على ذنبها ، ثم تناول لحييها ، فإذا يده في شعبة العصا ، قد عادت عصا ، وقيل له : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً « 5 » - فروي أنه امر بخلعهما لأنهما كانتا من جلد حمار ميت - وروي في قوله عز وجل : فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي خوفيك : خوفك من ضياع أهلك ، وخوفك من فرعون - ثم أرسله الله عز وجل إلى فرعون وملئه بآيتين : يده ، والعصا » .

--> ( 1 ) القصص 28 : 24 . ( 2 ) في المصدر : رحمنا فسقى . ( 3 ) الحجّة : السّنة . « لسان العرب - حجج - 2 : 227 » . ( 4 ) القصص 28 : 30 و 31 . ( 5 ) طه 20 : 12 .